عبد الكريم الخطيب
523
التفسير القرآنى للقرآن
اللّه سبحانه لم يجعل الناس على سواء ، فيما قدّر لهم من أرزاق في هذه الدنيا ، كما يقول سبحانه : « نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . . » ( 32 : الزخرف ) فهذا العلم الذي يجئ به النظر في أحوال الناس ، وفي اختلاف أرزاقهم - يدلّ على أن ذلك لم يكن إلا بإرادة عليا ، وعن تقدير لمالك الملك ، المتصرف في العباد . . فيبسط اللّه الرزق ويوسعه لبعض الناس ، ويضيّقه ويقدره لآخرين ، بحكمة وتقدير . . فالأرزاق بيد اللّه ، يعطى منها ما يشاء لمن يشاء . . ذلك ما يعرفه المؤمنون باللّه ، ويرضون بما قسم اللّه لهم ، فلا يبطر المؤمن إذا أصابته نعمة ، ولا ييأس ، أو يحزن ، إذا قدر اللّه عليه رزقه . . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . . أما غير المؤمنين فإنهم لا يرون للّه في ذلك شيئا . . وإنما هي الدنيا ، يقتتل فيها الناس ، ويتخاطفون ما عليها ، كما تتخاطف الذئاب فريسة وقعت لها . . فمن وقع ليده أو فمه ما يشبعه رضى واطمأن ، ومن لم يقع ليده أو لفمه شئ ، اغتمّ وحزن ، ومات أسى وحسرة ! وهذه الآية ، هي أشبه بتعقيب على الآية التي قبلها ، وهي قوله تعالى : « وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ » . . ذلك أنه لو نظر الإنسان إلى أحوال الدنيا وتقلبات الأيام ، وتبدّل الأحوال بالناس ، ثم كان له من هذا النظر عبرة وموعظة - لكان له من ذلك موقف رشيد حكيم مع ما يبتلى اللّه سبحانه ، العباد ، من نعم ونقم . . فإذا ساق اللّه تعالى إليه مزيدا من النعم والإحسان ، لم يستبدّ به الفرح ، ولم يأخذه الغرور ، لأنه يعلم أن ذلك إني تبديل ، وتحويل ، وزوال . . وأنه إذا مسه سوء ، وأصابه ضرّ ، لم يقتله الجزع ، ولم يخنقه اليأس والقنوط ، لأنه يعلم - بإيمانه باللّه - أن تلك الحال لن تدوم ، وأن مع العسر يسرا ، وأن بعد